محمد جمال الدين القاسمي
15
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال الإمام مالك في « الموطأ » : السنّة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنّه : لا تجوز وصيّة لوارث إلّا أن يجيز له ذلك ورثة الميّت . وذهبت طائفة إلى أنّ الآية محكمة لا تخالف آية المواريث . والمعنى : كتب عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أو كتب على المحتضر : أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به اللّه لهم عليهم ، وأن لا ينقص من أنصبائهم ! فلا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء ، مع ثبوت الوصية بالميراث عطيّة من اللّه تعالى ، والوصية عطيّة ممن حضره الموت . فالوارث جمع له بين الوصيّة والميراث بحكم الآيتين . ولو فرض المنافاة ، لأمكن جعل آية الميراث مخصّصة لهذه الآية . بإبقاء القريب الذي لا يكون وارثا لأجل صلة الرحم . فقد أكد تعالى الإحسان إلى الأرحام وذوي القربى في غير ما آية ، فتكون الوصية للأقارب الذين لا يرثون عصبة ، أو ذوي رحم مفروضة . . ! قالوا : ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ وجوبها في غيرهم . . ! . ومما استدلّ به على وجوب الوصيّة ، من السنّة : خبر الصحيحين « 1 » عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيّته مكتوبة عنده . قال ابن عمر : ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ذلك إلّا وعندي وصيّتي . . ! والآيات والأحاديث - بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم - كثيرة جدّا . . ! . ظهر لي في آية كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ . . . إلخ - وكان درسنا صباحا من البخاريّ في كتاب ( الوصايا ) - أنّ هذه الآية ليست منسوخة - كما قيل - بل هي محكمة بطريقة لا أدري هل أحد سبقني بها أم لا ؟ فإني - في تفسيري المسمّى بمحاسن التأويل - نقلت هناك مذاهب العلماء ، ولا يحضرني الآن أن ما سأذكره مأثور أم لا ؟ وهو أنّ هذه الآية مع آية : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ، متلاقيتان في المعنى ، من حيث إنّ المراد بالوصيّة : وصية اللّه في إيتاء ذوي الحقوق حقوقهم ، وعدم الغض منها ، والحذر من تبديلها ، لما يلحق المبدّل من الوعيد الشديد . . ! وخلاصة المعنى على ما ظهر :
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الوصايا ، باب الوصايا وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « وصية الرجل مكتوبة عنده » . وأخرجه مسلم في : الوصية ، حديث رقم 1 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الوصية ، حديث رقم 4 .